محمد الحفناوي
75
تعريف الخلف برجال السلف
في ذلك الطرف ويقع التسليم ، وهذا من حدّة فكره وجودة نظره ، وكان له لسان يستنزل به الهمم . وكان جادّا طالبا مقاصيا للأمراء ، ومناصفا لهم ، وسيوسا مع ذلك لهم ، وولي المنصب مع ذلك في بلاده ، وفي بجاية كرتين ، وتوجه رسولا إلى ملك المغرب مرارا من المستنصر باللّه ، وما زال ناجح السعي سديد الرأي ، وكان سريع البديهة بالجواب ، يطبّق المفصل بمطابقة الصواب ، ومن ملح جوابه أنه لما كان ببجاية في ولايته الثانية ، ونزل أمير المؤمنين المستنصر على قسنطينة ، وجاءه واعتنى به رسولا عن بجاية وأهلها ، فأجاب بما يليق به الجواب ، ثم قال له الملك : يا فقيه سمعنا أن والي بجاية لو أراد أن يبنيها لبنة فضة ولبنة ذهبا لفعل ، فقال له مبادرا : يا مولانا يكون ذلك بالتفاتكم إليها وعطفكم عليها ، فسكت ، وهذا جواب حسن مانع لمقصد الملك بسهولة ، فقال له : سمعنا أنه مسرف ، فقال مجاوبا : إنما رأيته إذا وقع الحضور معه في النهار لا يزال ناعسا ونائما ، فأشار له بذلك إلى سهره بالليل فيما يعرف ، وأجوبته كلها مستحسنة مستعذبة ملخصة مهذبة . ولقي من أصحاب فخر الدين جملة من فضلائهم ، واستفاد بهم ، وكان رحمه اللّه يحكي عن بعضهم أنه كان يقول له ، لما رأى من نبله وفضله : واللّه لو رآك مولانا الفخر لأحبّك ، وكان رحمه اللّه يثني على الفخر كثيرا ، ولا يرى له نظيرا ، وكان يؤثر قراءة كتبه على غيرها من كتب المتقدمين والمتأخرين ، وتوفي بتونس على ما قيل عام اثنين وثمانين وست مائة ( 682 ) .